فخر الدين الرازي
73
شرح عيون الحكمة
وإذا كان ذلك مذهب القوم ، فكيف جمعوا بينهما في حد الانسان وهذا من العجائب . أما كونه مائتا فهذا لا يمكن جعله جزءا من ماهية الانسان . وذلك لأنه ان كان المراد من الانسان جوهر النفس ، فقد اتفقوا على أن النفس لا تموت ، فكيف وصفوها بالمائت ؟ وان كان المراد من الانسان جوهر البدن . فالبدن ما دام يكون باقيا على الصفات التي معها يصدق عليه أنه انسان ، فإنه لا يكون مائتا فإذا صار مائتا فقد بطلت تلك الصفات . فالمائت بالحقيقة كالصفة المنافية للانسانية والمبطلة لها ، فكيف يمكن ادخال هذا الوصف في ماهية الانسان ؟ وأيضا : فيمكننا أن نعقل انسانا باقيا أبدا الآباد ولا يمكننا أن نعقل انسانا غير انسان . ألا ترى أن الناس يقرون بأن أشخاص الناس تبقى في الجنة بقاء لا آخر له فقد اعتقدوا لرد ذلك الانسان ( أن ) يكون انسانا . ولو اعتقدوا أن الانسان لا يكون انسانا فقد اعتقدوا اعتقادا ، نعلم فساده بالضرورة . فثبت بمجموع ما ذكرنا : أن الحد الذي ذكروه مختل ، بل الحد الحق الصحيح أن يقال : ان كان المراد من الانسان الأمر الذي يشير اليه كل أحد بقوله « أنا » فذاك معلوم علما تاما كاملا لا يمكن أن يحصل علم أقوى منه ولا أوضح منه . فكيف يمكن تعريفه بغيره ؟ وان كان المراد من الانسان الأمر الذي يشير اليه كل أحد بقوله أنت وبقوله هو ، فذاك هو هذه البنية المشاهدة المحسوسة . فان قال قائل : ادخال الناطق في تعريف الانسان باطل طردا وعكسا . أما الطرد فلأن بعض الطيور قد ينطق ، وأما العكس فان الانسان قد يكون أبكم . والجواب : المراد من الناطق غير ما ذكرتم . وتقريره : أن الحيوان إذا أدرك أمرا من الأمور فاما أن يمكنه تعريف غيره ذلك الذي أدركه أو لا يمكنه ذلك . والأول هو الانسان ، فان كل شئ يدركه بنفسه وحسه ، فإنه يمكنه أن يعرف غيره ذلك الأمر .